ابن هشام الأنصاري
338
شرح قطر الندى وبل الصدى
للترتيب ، فلو كانت الواو مثلهما لامتنع ذلك معها ، كما امتنع معهما . * * * [ معنى الفاء ] ص - والفاء للتّرتيب والتّعقيب . ش - إذا قيل : « جاء زيد فعمرو » فمعناه أن مجيء عمرو وقع بعد مجيء زيد من غير مهلة فهي مفيدة لثلاثة أمور : التشريك في الحكم ، ولم أنبّه عليه لوضوحه ، والترتيب ، والتعقيب . وتعقيب كل شيء بحسبه « 1 » ، فإذا قلت : « دخلت البصرة فبغداد » وكان بينهما ثلاثة أيام ودخلت بعد الثالث فذلك تعقيب في مثل هذا عادة ، فإذا دخلت بعد الرابع أو الخامس فليس بتعقيب ، ولم يجز الكلام . وللفاء معنى آخر ، وهو التّسبّب ، وذلك غالب في عطف الجمل « 2 » ، نحو قولك : « سها فسجد » و « زنى فرجم » و « سرق فقطع » وقوله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ « 3 » ؛ ولدلالتها على ذلك استعيرت للرّبط في جواب الشرط ، نحو « من يأتني فإنّي أكرمه » ولهذا إذا قيل : « من دخل داري فله درهم » أفاد استحقاق الدرهم بالدخول ، ولو حذف الفاء احتمل ذلك واحتمل الإقرار بالدرهم له . وقد تخلو الفاء العاطفة للجمل عن هذا المعنى ، كقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ، فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى « 4 » . * * *
--> ( 1 ) معنى التعقيب أن يكون وقوع المعطوف بعد وقوع المعطوف عليه بلا مهلة بينهما ، وهو - مع ذلك ، كما قال المؤلف - في كل شيء بحسبه . ( 2 ) وقد تجيء الفاء الدالة على التسبب في عطف الصفات ، نحو قوله تعالى : لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ومن أمثلة الفاء الدالة على التسبب في عطف الجمل - سوى الآية التي تلاها المؤلف - قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ وقول كعب بن زهير : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يفد مكبول ( 3 ) من الآية 37 من سورة البقرة . ( 4 ) الآيات 2 ، 3 ، 4 ، 5 من سورة الأعلى .